الفقر الحضري !

التحدي الذي يواجه المجتمعات الحضرية هو دور المجتمع في سلسلة القيمة التنموية حيث يعتبر الفقر الحضري أحد نتائج التطور التكنولوجي واختصاراً هو استبعاد الأيدي العاملة وتعويضها بالتقنيات الأسرع والأكثر جودة وإنتاجاً وعند هذه النقطة يلزم أن تتبنى إدارات المدن سياسات تحد من رفع سقف الإنتاج وتلزم الشركات والمصانع بوضع المهارات اليدوية ضمن خطوط الإنتاج الصناعية وتضمين دور أساسي في كل منتج.

غالبية الخطط والبرامج والمبادرات التي تدعم المنتجات المحلية أو اليدوية لم تضع في الاعتبار خيار تضمين المنتج المحلي ضمن المنتج الصناعي كأحد أهم الخيارات التي يجب الالتزام به وإصدار التشريعات والتنظيمات الخاصة به وتحديثها بشكل دائم ولذلك هي تعمل- ومنذ سنوات في محاربة الفقر الحضري الذي يتفاقم كل يوم والعمل الذي يتم لا يغطي كافة الثغرات.

الاندفاع نحو تعليم المجتمع المهارات الجديدة لا يعني أن المجتمع سينجو من الفقر الحضري وسيتجاوز كلياً عدم الوقوع فيه بل يجب أن ندرك أن الفقر الحضري هو جزء من منظومة التنمية الاجتماعية ولتقليص هذا الجزء يلزم أن نعزز الاقتصاد المحلي من خلال دعم المجتمعات باستغلال الخبرات التراكمية في سلاسل القيمة الحديثة لأي منتج صناعي.

التقنيات الحديثة لم تقتل مستويات معينة من الوظائف فقط ولكنها وضعت تحديات جديدة للاستمرار مثل المهارات والإبداع وهذا الأمر عجيب فهي من ناحية تتطلب مهارات جديدة وإبداع وفي نفس الوقت لا توفر الوقت ولا الإمكانيات لتعلم المهارة والإبداع فيها وكأنما هي دائرة تنحرف للداخل وتستمر في الانغلاق على المجتمعات مخلفة وراها الفقر الحضري.

الفقر الحضري يرتبط كلياً بعدد من العناصر الهامة ولكن حجم استغلال الموارد الطبيعية هو أحد الأسباب الجوهرية الهامة لأنه في ذات الوقت لا يعطي الفرصة المتوازنة مع الموارد الطبيعية الأخرى فالقاعدة هنا هي (سهل الحصول عليه – بسيط التعامل معه) هي القاعدة الأكثر تسبباً بالضرر ويجب حينها تفعيل الأداة التشريعية لضبطها والقاعدة الأكثر بعداً هي ( صعب الحصول عليه – معقد التعامل معه ) وهي المسار الصناعي لمستويات معينة من الإنتاج والمنتجات وبالتأكيد فأن بقية أشكال القاعدة لها تشريعات منفصلة يجب تداركها ولكن استمرار القاعدة الأولى (سهل الحصول عليه – بسيط التعامل معه ) يعني أن العديد من المنتجات المحلية ستفقد ويعوض عنها بالاستيراد ولن يتحقق حتى مستوى الاكتفاء الذاتي من الموارد المحلية والطبيعية.

تذكرة مغادرة : يقول الفيلسوف ألبرت شفايتزر (نعيش في عالم خطير فالإنسان حكم الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يحكم نفسه) .

المراكز المجتمعية في المدن

العديد من المدن توجهت لوضع عدد زيارات المراكز المجتمعية للسكان ضمن مؤشرات جودة الحياة في الحي السكني بسبب التأثير الإيجابي على عدد من القضايا الاجتماعية ولكن ماذا عن القضايا العمرانية والبيئية فالملاحظ أيضاً أنها أسهمت في خفض تكاليف انشاء مشاريع انشائية جديدة مما قلل الناتج الكربوني للمدينة وساهمت أيضاً في معالجة الاستفادة من المباني المهملة ضمن المدن وبذلك نجد أن المراكز المجتمعية بشكل عام ساهمت في تحسين البيئة العمرانية للانتقال من وإلى المراكز (أرصفة، طرق للمشاة، تشجير) كما ساهمت في المحور الاجتماعي ولكن مع ذلك تبقى معرفة كيف تسهم إدارات المدن في دعم تلك المراكز المجتمعية في تحدياتها.

التحديات التي تواجه المراكز المجتمعية عديدة ولكن يبقى نموذج التشغيل الأمثل لها أحد تلك التحديات الهامة وتنوع نماذج التشغيل في إدارة المراكز المجتمعية سواء من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو تشغيلها عن طريق جهات راعية مثل الجامعات والأندية الرياضية أو تشغيلها عن طريق تأسيس كيانات مثل جمعيات تعاونية أو جمعيات أهلية وجميعها نماذج تشغيل مبنية على الاحتياجات والإمكانيات المتوفرة بشكل تشريعي على أقل تقدير وهذا ما يجب أن تبحثه إدارات المدن بعيداً عن الوضع الراهن لهذه المراكز المجتمعية.

التحدي الآخر الذي يواجه المراكز المجتمعية هو ما يخصص لهذه المراكز المجتمعية من مواقع لا يلبي متطلباتها الفعلية هذا أن خصص لها مواقع ذات إمكانيات فما يسهم في تعزيز التحدي الأول منظومة التشغيل هو المكان المخصص له وملكيته وحدود التصرف فيه وأرى بشكل شخصي أن تعزيز المدينة للأوقاف يسهم في معالجة التحديات الأكبر في المراكز المجتمعية لنجد لاحقاً أن المراكز المجتمعية هي منظومة مالية وإدارية تعمل بشكل مستقل وضمن نطاق الأعمال المجتمعية ليبقى على القائمين على تلك المراكز المجتمعية التفكير في آلية التسويق الصحيحة داخل الأحياء في ظل وجود تنافس جزئي مع القطاع الخاص في بعض الأنشطة التي يمكن التفكير فيها.

تجربة المدن السعودية في المراكز المجتمعية متباينة فبعضها ناجح نوعاً ما والآخر لم يجد ما يبقيه على قيد الحياة سوى جهود تطوعية مرتبطة ببعض الشخصيات الداعمة سواء مالياً أو معنوياً وستتوقف حتماً يوما ما ما لم تستكمل الحلقات الناقصة في عقد المراكز المجتمعية وتبرز كمنظمات قوية في مجالات تخصصية محددة فليس من الصعوبة أن نوجد نموذج عمل متطور يلبي متطلبات المجتمع في بعض النواحي ويسهم في خلق بيئة اجتماعية حسنة ويدعم الغايات والمستهدفات التي تتبناها رؤية المملكة 2030 فالمكتبات العامة والمتاحف المتخصصة بالإمكان أن تكون البداية لتنظيم المراكز المجتمعية لتكون مقصداً إجتماعياً داخل الحي وأفضل نقطة يبدأ منها أي حي في المركز المجتمعي هو تصميم المركز المجتمعي بشكل جاذب بعيداً عن التقليدية أو المبالغة على الأقل معمارياً!.

تذكرة مغادرة : يقول هنريك إبسن (يجب عليّ أن أُقرِّرَ أيٌ منهما على حق – المجتمع أم أنا)

تحسين أعمال المدن

تعد أحد أسباب نشأة المدن ونموها هي الأعمال والأنشطة المتنوعة التي يعمل بها ساكني تلك المدن وكلما زاد تنوع تلك الأعمال كلما أدى ذلك لإيجاد نشاطات ثانوية للنشاطات الأساسية للمدن ومنها خدمات البنية التحتية والخدمات والمرافق والتي من المعلوم أنها مجالات يصعب تخصيصها لعدم الجدوى الاقتصادية ولهذا نجد أن الوضع مشابه حتماً للعديد من المدن حول العالم، كبح جموح الأعمال والأنشطة داخل المدن بسبب قصور تقديم الخدمات.

الحديث عن مناطق تحسين الأعمال يتطلب إدراكاً للتحديات التي تواجه تطبيق الفكرة خاصة في المنظومات البيروقراطية وما هو مهم لقطاع ليس بذات الأهمية لقطاع آخر وقياساً على ذلك ستبقى أي فكرة قيد التأمل لسنوات طويلة والمتضرر هو الأسوء حظاً وهو سلة قطاع الأعمال في أي مدينة والذي يعول عليه في إيجاد فرص للعمل متجددة وقطاعات جاذبة وحديثة ولكي نضع النقاط على الحروف كما يقال فالحوكمة في منظومة الأعمال هي الفجوة الأكثر وضوحاً وهي الفجوة التي تعمل كافة القطاعات على ردمها ولكن الشق أكبر من الرقعة !!، فما زال إقرار الإجراءات التحسينية يتبع القطاعات وما زالت أنشطة الأعمال الجديدة تأتي دوماً لاحقاً وما زالت مواكبة التطورات تمر بتحديات مستمرة ومتصاعدة والسؤال الذي لن تجد له إجابة متى يجب تحسين هذه الخدمة أو تلك أو تحسين هذا القطاع أو ذاك القطاع سوى أن التحسين يحدث في أي قطاع سيكون عبارة عن ردة فعل وليس فعل.

مناطق تحسين الأعمال في المدن ليست فكرة حديثة ولكن لتطبيقها للمرة الأولى في أي مدينة يتطلب تحسين العديد من الإجراءات وتطوير عدد من الأنظمة وهكذا دواليك في عملية التطوير التي تستمر من حل عقدة لعقدة وكلما زادت سرعة حل العقد كلما زادت عملية التطور ومواكبة العالم بشكل صحيح وفعلي وبشكل ملموس وأكبر عقدة تواجه التحسين هي عقدة المعرفة فأسوأ مصائب الجهل أن يجهل الجاهل أنه جاهل.

تذكرة مغادرة : يقول فريدريك فون شيلر (لماذا يجب أن أكون فرشاة وألوان وبيدي أن أكون أنا الفنان؟)

العمارة الجنائية

الجميع سمع بالتأكيد بما يسمى تخصص الطب الشرعي والذي يستهدف المجال الجنائي للحالات الطبية بشكل ما ولكن القليل من سمعوا بأن هنالك أيضاً تخصص العمارة الجنائية والتي تأتي في المجال الجنائي للعمارة في تصميم وتخطيط المدن إلا أن الفارق الوحيد هو أن مرجعية مكاتب الطب الشرعي حكومية في كافة دول العالم تقريبًا بينما تستمر مكاتب العمارة الجنائية في كونها جزء من مهام مكاتب استشارية خاصة أو مراكز بحثية جامعية قد استخدمت نتائج هذه المكاتب والمراكز في عدد من الملفات على سبيل المثال نوعية الأسلحة المستخدمة في الهجوم على المدن كما استخدمت أيضاً في دراسة مواضيع أخرى مثل مواقع حوادث القتل والدهس ومواقع الانتحار في المدن ومواقع المتاجرة بالمخدرات ومواقع الهجرة السكانية والوجهات التالية للسكان وحسب علمي لا يوجد أي مكتب أو مركز للعمارة الجنائية في الشرق الأوسط والموجود فقط هو الجزء الخاص بتحديد أخطاء متطلبات الأمن والسلامة وتحديد أخطاء البناء تحت مظلة التحكيم الهندسي.

مكاتب العمارة الجنائية طورت من أدواتها لتستخدم أنظمة حديثة مثل الذكاء الاصطناعي ونمذجة معلومات البناء وصور الأقمار الصناعية للتعامل مع حجم البيانات الضخمة وتحليلها من أجل القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة أو تحليل حالة ما تستدعي بناء توجه استباقي لمواقع أخرى.

تذكرة مغادرة : يقول أوليفر هولمز (ما يجعل الحياة تستحق أن نحياها هو الإيمان بشيء والتحمس لشيء)